ابن بسام

209

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

الخلال والمناقب ، وحسن السّير والمذاهب ، ما قد شوّق نفسي إليك ، وملأ جوانحي حرصا عليك ، وتمنيت لو حزت أسباب [ 75 أ ] القدرة ، بتنقّلي إلى تلك الحضرة ، ولم أتمالك أن خاطبتك خاطبا صلتك ، ولست من الأكفاء ، وراغبا في خلتك ، وإن لم أكن من النظراء ؛ لا زالت تستخلص الأنفس شمائلك ؛ وتقف عليك المودّات فضائلك . وفي فصل من أخرى : قد كنت - أعزّك اللّه - متمنّيا لهذه الأيّام ، كما يتمنّى في المحل صوب الغمام ، ومنتظرا لظهورك فيها ، كانتظار النفس أعذب أمانيها ، ولما أطلعت طلائعها السّعود ، واستمرّ بك الارتقاء / والصّعود ، قلت لنفسي : بشراك ، أسعفك الدهر بمناك ، وسرّك في بعض أعزّتك وأرضاك ، الآن آن للنحوس أن تدبر عنك إدبار المنهزم ، وللنوائب أن تحذر منك سطوة المنتقم ؛ وأذني في الإصغاء ، إلى ما يطرأ من الأنباء ، فلا تنفكّ مبهجة الأخبار تترى ، ومثلجة المسارّ تتناصر وتتوالى ، وكلّما قيل قرع من الجاه ذروة ، واستجدّ من العزّ كسوة ، سرت العزّة في خلدي ، وطالت على النوب يدي ، وحين صحّ تمكّنك عندي ، انبسطت إلى مخاطبتك نفسي ، مذكرة [ 1 ] لك في تنويهي وغرسي ، إن صادفت من الزمان إسعادا ، وملكت [ 2 ] من إحدى الممالك قيادا ؛ على أنّك ممن لا تنسيه المعارف حال [ 3 ] ، ولا يلهيه عن الجميل إقبال ، ولو استقلّ بك السرير ، ودان لك الخورنق والسدير ؛ ليأمن مسألتي الدهر المحيل فقد حسبني أحاوله ، أم أيّ حظّ أجزل من إقبالك عليّ أتناوله ؟ كلا واللّه ، ما أسأل وقد نلت الرضى ، ولا أجري بعد أن بلغت المدى ، حسب يدي وما علقت ، ولتقتنع نفسي بما رزقت ، فلكلّ طلاب غاية ، وللظفر بالمنى راية . ومن أخرى : أيّ حمد يفي بمنن لك تسلفها ابتداء ، وتتابعها ولاء ، بلا وجوب يقتضيها ، ودون سبب يستدعيها ؟ بعيد عليّ أن تقوم لذلك قدرتي ، أو تبلغه استطاعتي ، وليس عندي إلّا بذل المهجة فيما وصل بك ، وضمّ إليك ، وإرخاص النفس فيما أدنى إليك ، وأحظى لديك ، ووجدتك قد أشرت إلى عذر أعجلك في الكتاب ، عن التعمل [ 4 ] والإسهاب ، / ووصلت ذلك بأن حسّنت مذهب الاسترسال ، واعتفيت من مئونة

--> [ 1 ] ب م : مدركة . [ 2 ] ط د س : أو تملكت . [ 3 ] ط د س : بحال . [ 4 ] ط د س : التعمق . الذخيرة مجلد 3 14